الشريف المرتضى / علي بن أبي الفتح الإربلي / محمد بن دانيال

رسالة الطيف للمنشئ 34

رسائل طيف الخيال في الجد والهزل

أراك ؟ فقال : خرجت من عندك جازما بالتوفيق متحققا أني أرهن في الطريق ، فوصلت المكان فلا خبر ولا عيان ، فنشدتهن والباغي يحبّ الوجدان ، فلم أطلع لهن على حقيقة « 1 » / [ 19 / ب ] أمر ، ولا خبرت عنهن بحلو ولا مرّ ، فوقفت وقوف الشحيح أضاع خاتمه ، وألفيت محلهم قفرا فكنت حاتمه ، فبينا أنا مفكر في الأمر الفادح ، والخطب الذي هو لنار الأسى قادح ، إذ اجتاز عليّ صبيّ حين بقل عذاره وكاد يصوح ورده وجلناره ، فقال : ما لي أراك بادي الأسف ، مشفيا على التلف ؟ فقلت : إني أضللت هنا شيئا وجئت أنشده * وتركت معهودا فحال عما كنت أعهده . فتبسم الغلام تبسم ذي عجب ، وقال : قد عرفت الحال فدع الطلب ، فأنا جهينة الخير « 2 » ولن يخبرك عمن غاب إلّا من حضر فحين سمعت قوله لزمته / [ 20 / أ ] ملازمة

--> ( 1 ) يا لها من موجعة وفجيعة إذ أقبل إليه رسوله كاسف بال حزين الفؤاد بادي الحداد ظاهر الذبول يجر أذيال الخسران وحيدا فريدا لا أنيس معه ولا رفيق ولا صاحب ولا عشيق فلما رآه عرف أن زمانه ما صفى وحبيبه ما وفا ، فأصابته غصة جعلته في حالة من الذهول كيف صار ما صار ؟ ولما ذا وعد حبيبه بذلك الميعاد وعاد إلى العناد ؟ هل وصله منه ريب ؟ أو ظهر له منه عيب ؟ أم وشى به واش ؟ أم تخطفته الأوحاش ؟ وأين صار بعد مفارقة رسوله وإرساله إليه ؟ أم هل أبطأ الرجعة إليه ؟ فصار يضرب أخماسا في أسداس ويقرع اليد بالرأس والرجل في المداس ، يا له من أمر غريب وخبر عجيب لماذا عاد رسوله كاسف البال دموعه هطالة على خده مدراره ، وقد كان منصرفا من عنده سعيدا شجيا طربا هنيا أملا في جلب أغلى بضاعة وأكرم ضيف وأعز حبيب ، وأبهى وجه ، وأحلى سمير ، وآنس جليس وأطرب محدث ، وأوفى رفيق . فما له باك ونار الأس تحرقه وتشتعل في أضلاعه فيحيلها جمرا يكويه ويلهبه ويؤذيه ؟ وما لبكائه نحيب وصوته عال غريب ، صدره طالع نازل وأنفاسه متلاحقة وعبراته غزيرة ساخنة متصلة السيلان بادية للعيان ؟ وما لعينيه حمراوان وكأنهما عينا جان من شدة الأحزان ؟ ما ذا دهاه ، وما أصابه بعد مفارته أو بلاه ؟ أفقد شيئا عزيزا ؟ أم اعتدى عليه معتد ؟ أم صال عليه صائل ؟ أم أغتصب ماله مغتصب أم ظلمه سلطان ؟ كل هذا دار في ذهنه في لحظة واحدة لما رأى ما رأى من حال رسول قادم بغيرهم وهذه حاله . فما كان منه إلّا أن قال في نفسه ليس في وسعي إلّا أن انتظر حتى يقدم عليّ ويصل إلىّ حتى استطلع منه الخبر وأعرف السبب الذي غير حاله . ( 2 ) يشير إلى المثل العربي القديم المشهور : « عند جهينة الخبر اليقين » . وهذا المثل من الأمثال العربية المشهورة المدونة في كتب الأمثال والتي منها : الأمثال النبوية ( 1 / 536 ) ، تمثال الأمثال ( 2 / 474 ) ، جمهرة الأمثال ( 2 / 44 ) ، جمهرة اللغة ( 890 ) ، الفاخر ( 126 ) ، فصل المقال ( 295 ) ، كتاب الأمثال ( 201 ) ، كتاب الأمثال لمجهول -